عمر فروخ

159

تاريخ الأدب العربي

ولما بلغ أبو نواس الثلاثين من عمره انتقل إلى بغداد ، في أول خلافة هارون الرشيد ( 170 - 193 ه ) وبدأ حياته فيها بمنادمة أمراء البيت العباسي . وفي بغداد تألّفت حول أبي نواس عصابة سوء من الشعراء المجّان أمثال مطيع ابن أياس والحسين الخليع بن الضحّاك وحمّاد عجرد وأبان بن عبد الحميد اللاحقيّ والجارية عنان . وكان أبو نواس يمثّل مع هؤلاء ناحية اللهو من البيئة العباسية في القرن الهجريّ الثاني . وكان بلاط هارون الرشيد يجمع عددا كبيرا من الأدباء والشعراء . وكان أبو نواس نديما لهارون في مجالس أنسه لا يصحبه في الغزوات ولا يظهر معه في الأعياد . أما الشاعر الرسميّ للرشيد فكان مروان بن أبي حفصة الكبير . ويبدو أن الوحشة وقعت بين أبي نواس وهارون الرشيد بعد نكبة البرامكة ، وكان أبو نواس يمدحهم ويكثر ، كما كان استهتار أبي نواس قد زاد وظهر وجعلت الألسن تتناول الرشيد من أجل نديمه - فذهب أبو نواس إلى مصر ومدح عاملها الخصيب . فزاد ذلك في غضب الرشيد على أبي نواس ، لأن أبا نواس مدح عاملا من عماله ( موظّفيه ) ثم بالغ في مدحه حتى بدت تلك المبالغة وكأنها تعريض بالرشيد نفسه . فلما عاد أبو نواس إلى بغداد أخذه الرشيد ببعض أقواله في الخصيب وفي الخمر وسجنه . وتوفيّ الرشيد ( 193 ه - 809 م ) وأبو نواس في السجن . وخلف الأمين أباه الرشيد على سدّة الخلافة العباسية فأطلق سراح أبي نواس واتخذه شاعرا ونديما . وتوفي أبو نواس في سنة 199 ه ( 813 م ) ، بعد الأمين بمدة وجيزة . 2 - [ خصائصه الفنّيّة ] كان أبو نواس قليل الاهتمام بالشعوبية التي كانت ثائرة في أيامه : لم يكن متعصّبا للعرب على الفرس ، ولا لغير العرب على العرب . على أنه كان ، بلا ريب ، يفضّل الحياة الحضرية وترفها ( كما عرفها الفرس ) على الحياة البدوية وشظفها ( وهي عربية بدوية في الأصل ) . وكان يهجو الأعراب ومستوى معيشتهم لا العرب وأمجادهم ، قال في ذلك : ولا تأخذ عن الأعراب لهوا * ولا عيشا فعيشهم جديب . ذر الألبان يشربها أناس * رقيق العيش عندهم غريب . فأطيب منه صافية شمول * يطوف بكأسها ساق أريب :